من الممكن أن هناك من وقع في حالة اشتباه ، لكن و كما يقال أن الأرقام لا تكذب ، فان هناك حقائق تركية لا تكذب أيضا لعل أهمها على الإطلاق أن السياسة الرسمية التركية و منذ منتصف القرن العشرين إلى حد الآن لم تتوافق مع مجمل السياسة العربية و مع مصالح الأمة العربية ، و تركيا الرسمية لم يكن لها ” وجه ” عربي على الإطلاق ، بدليل أنها من أوائل دول العالم التي اعترفت بالدولة الصهيونية في 28 مارس 1949 قبل أن تجف الدماء العربية التي نزفت بعد حرب 1948 ، بدليل انضمامها المبكر إلى منظومة حلف ا لأطلسي و هي منظومة ردع و اعتداء عسكرية لها جزء من فكر الهيمنة على المنطقة العربية بدليل مشاركتها الفاعلة في احتلال ليبيا و إسقاط حكم العقيد القذافى لصالح الشركات النفطية العالمية و لعله من المهم التذكير أن تركيا قد صوتت ضد استقلال الجزائر بما يعنيه التصويت من وقوفها مع الدول الاستعمارية ضد أحد أكبر حركات النضال و التحرر في أفريقيا و هو موقف ينزع عن أنقرة ما تدعيه اليوم من مشاعرها الزائفة نحو ما تسميه نفاقا ” بالثورة السورية ” .
ليس سرا أن حزب العدالة التركي قد لهث كثيرا وراء الانضمام إلى النادي المسيحي أو ما يسمى بالاتحاد الأوروبي ، و ليس سرا أن الدول الأوروبية قد عارضت هذه العملية لكن السر في هذه المعارضة المتواصلة للرغبة التركية أن الدول الأوروبية لم تقبل الطلب إلا بناء على الضغوط الصهيونية التي تريد أن تضع تركيا و إرادتها السياسية دائما تحت السيطرة حتى يمكن ابتزازها و انتزاع تنازلات عديدة خاصة في ظل رأى عام بدت له بعض الملامح ” العربية” لاكتشافه أن إسرائيل هي العدو و ليس سوريا أو إيران و أن مواصلة نهج الوقوف الدائم مع المصالح الغربية الصهيونية قد أنهك السياسة و الاقتصاد التركي و أفقد تركيا كل طموح لتصبح لاعبا و رقما صعبا في معادلة التحولات في منطقة الشرق الأوسط .
لعل اقتناع حزب العدالة التركي أن الانضمام إلى النادي المسيحي لن يمر إلا عبر البوابة الصهيونية فقط هو من دفعه إلى تعزيز علاقته بإسرائيل في تعارض واضح و ملفت مع لهجة الخطاب ” الأخلاقي” للحزب الذي يتحدث عن وقوفه مع القضية الفلسطينية لمنع الاعتداءات الإسرائيلية ، لذلك دخلت تركيا الرسمية على خط حماس – إسرائيل منذ سنة 2008 مستغلة علاقتها الوطيدة بالكيان الصهيوني و تنازل مصر مبارك عن دورها القومي و سقوط النظام السعودي في حروبه ” الداخلية ” لتخطط لمبادرة تجمع بين أفكار ما يسمى بدول الممانعة التي تحتضن حماس و دول الاعتدال التي تحتضن فتح يقبل بها الجانب الصهيوني لكنها بالمقابل تعطى للدور التركي هامشا غير مسبوق للتحرك على هذين الخطين المتعارضين ، و لعل من يراجع ماراطون الزيارات المكوكية التركية لدول المنطقة في تلك الفترة يدرك أن حزب العدالة قد نفذ أحد أغراضه في التغلغل داخل المنظومة العربية المتصدعة بكل تضاريسها المتشعبة .
لقد جاءت الحرب الصليبية الصهيونية على ليبيا لتكشف أن إسرائيل هي من أعطت الضوء الأخضر للدور التركي في هذه الحرب القذرة التي أدت إلى حرب أهلية لها تداعيات مرعبة على كامل المنطقة العربية خاصة بعد أن أبدت أنقرة في البداية بعض التحفظ أو التساؤل حول حقيقة الأهداف الصهيونية في ليبيا ، و لعل ما شجع تركيا للانخراط في هذه الحرب هي الوعود بأن يصعد الإسلام السياسي للحكم في ليبيا و أنه من واجب حزب العدالة أن يكون الحاضن السياسي و العقائدي لهذا التيار في غياب دولة ” إسلامية” يحكمها الإخوان بإمكانها القيام بهذا الدور ، من هنا نفهم سر التحول السياسي التركي من النقيض إلى النقيض ، و هو نفس التحول في المواقف المعلنة الذي يمكن إسقاطه على الحالة في تونس و مصر لاحقا .
بطبيعة الحال ، وقوف تركيا مع حلف المؤامرة ضد الشعب السوري و قيادته الشرعية ، يمكن فهمه بطرق مختلفة لان الصراع الدولي على سوريا يأخذ أبعادا و ملامح كثيرة و متشابكة أحيانا ، و حزب العدالة التركي بقدر رغبته أن يقفز الإخوان المسلمون أو ما “يشبههم” إلى منصة الحكم في سوريا فانه يدرك أن اللعبة على سوريا يختلط فيها السياسي بالاستراتيجي ، التاريخ بالجغرافيا ، الطموحات بالواقع ، و عندما نفهم أن ما ” تريده” إسرائيل من سوريا ليس بالضرورة ما تريده الولايات المتحدة من الشام ، و أن رغبة الدول الخليجية العميلة في إسقاط النظام السوري لها أسباب من الممكن أن تكون مختلفة بعض الشيء مع الدوافع الأردنية أو التركية خاصة في معارضتها صعود حكم “إسلامي” له خلفيات ” تركية” بإمكانه أن ينشر بداية لهيب في هذه الدول المتآكلة الآيلة للسقوط .
من المهم اليوم ، و بعد أن زال الدخان عن المشهد السوري ، أن نكشف للرأي العام العربي أن الدور الروسي بكل خلفياته و خفاياه هو من أسقط الدور التركي في سوريا ، و لعل حزب العدالة لم يكن يتوقع إطلاقا أهمية و صمود القيادة الروسية في وجه الإغراءات المالية الخليجية التي طلب منها إقناع روسيا بتغيير موقفها حتى لا تسقط المؤامرة القذرة في الماء ، و بالتالي فان هذا الموقف الروسي إضافة إلى صمود الشعب السوري بكل مكوناته و دخول حزب الله على خط المواجهة لحماية عمقه الاستراتيجي و الدور الإيراني المتعدد الأوجه هو الذي أدخل البلبلة في أذهان القيادة التركية و جعل حزب العدالة الحاكم في موضع الاتهام بالخيانة للشعب السوري و بالأساس للمصالح الفعلية التركية في سوريا .
لا يمكن فهم التحولات الدراماتيكية المتواصلة في تركيا بمعزل عن انتصار معركة “القصير” التاريخية في سوريا ، و لعل حالة الارتباك التي دفعت الولايات المتحدة إلى الإسراع بالقبول بالحل السياسي أو ما يسمى بجينيف 2 لحفظ ماء وجه السياسة الأمريكية في المنطقة هي مؤشر سياسي واضح أن هذا الحزب قد فقد بريقه الخادع أمام الشعب التركي خاصة و أن ما تشهده حكومة ” الفضيلة” من فساد أخلاقي و مالي قد أفحم كل المخدوعين بأن حركة الإخوان المسلمين التركية لا تختلف عن الحركات الإرهابية التي حكمت مصر في الآونة الأخيرة أو تونس بعد ما يسمى بثورة الياسمين أو ليبيا بعد ثورة الإرهاب ، و في حقيقة الأمر فان رجب طيب أوردغان الفعلي لا يختلف كثيرا عن محمد مرسى أو راشد الغنوشى أو أسامة بن لادن لان فكر ” الجماعة” لا يصلح لقيادة العالم أو نشر ثقافة التنوير و الحضارة الفكرية و بالتالي فان الحرب على سوريا قد كانت الواقعة التي قصمت ظهر الحلم المسمى بالأنموذج التركي.
