منذ اليوم الأول لانتهاء حرب تموز 2006، بدأت حرب باردة من نوع آخر بين "حزب الله" وإسرائيل، ما تزال مستمرة، حرب استخبارية لا تهدأ ليلاً أو نهاراً.
مقابل طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، وجيش العملاء الأرضيين الساعين إلى جمع المعلومات، عن"حزب الله"وحركته، يتقن المقاومون لعبة القط والفأر مع العدو، لا يبالون بكشف موقع يعرفون أنه لن يصمد عندما تقرع أجراس الحرب، كما يتعمدوا إعطاء إشارات خاطئة عن تحركات هنا، على الأرجح تغطي على ما هو أهم.. هناك.
تلك حرب كانت إسرائيل ولا تزال متفوقة فيها، لكن الحزب تمكن من حجز موقعه بين "الكبار" في عوالم الأمن والإستخبارات، هو أيضاً لديه منظومة إستخبارية تتفوق في بعض الأحيان على تقنيات الاحتلال.
نموذج مواجهة خرق اللبونة قرب الناقورة، ما زال لغزاً للإسرائيليين، فإذا كان هدف المجموعة التي تخطت الحدود مجهولاً، فإن أحداً لم يتبين بعد كيف تمكن رجال المقاومة من رصد الخرق الذي لم يتخط الـ550 متراً من الحدود، ولا كيفية التعامل معه عسكرياً، في منطقة تعتبر أرض عمليات لـ "اليونيفيل".
تفاخرت إستخبارات المقاومة بعملية اللبونة، وتعتبرها رسالة إنذار لـ إسرائيل التي قد تتجرأ مجدداً وتخرق الحدود، الثقة بالقدرة على جمع المعلومات عالية جداً، حتى أن أحد المقاومين لا يتردد بالقول "إننا قادرون على إحصاء أنفاس عدونا".
للمناسبة، لم يعد القرار 1701 عائقاً أمام حزب الله، في البداية، بدأ الحزب مربكاً في كيفية التصرف معه، قبل أن يتمرس في الإختفاء عن مرأى العيون الدولية "اليونيفيل"، واحترام القرار الأممي القاضي بمنع الظهور المسلح غير الرسمي في جنوب نهر الليطاني، في النتيجة، انقلب السحر على الساحر، وبعدما كان الإسرائيليون يستسهلون مراقبة تحركات الحزب، صارت مهمتهم أصعب بكثير بعد الإنتقال إلى العمل السري.
فلسطين من ... هذا المنزل
من داخل منزل في قرية قريبة نسبياً من الحدود، يبدو المنزل عادياً من الخارج، منزل متواضع يطل على فلسطين المحتلة، أسوة بمعظم منازل القرية، زجاج نوافذه من الخارج عاكسة للرؤية، فيما تنسدل الستائر المعدنية من الداخل.
بمجرد الدخول من الباب يتغير المشهد، ستارة داكنة اللون مرفوعة خلف الباب، تظهر من بعدها غرفة صغيرة لا تتعدى مساحتها الأربعة أمتار مربعة، داخلها أربع كاميرات يمكن أن ترصد أهدافا حتى 15 كيلومتراً.
العيون شاخصة نحو قواعد عسكرية إسرائيلية، على الحدود وبعض الطرق المصنفة حيوية وتشكل معبراً إلزامياً للآليات العسكرية، كل ما تصطاده الكاميرات يظهر على الشاشات الأربع في الغرفة، وكما منصات الصواريخ تنتشر على طول الحدود، كذلك مراكز الرصد، ونقاط الرصد المباشر.
لكل مركز حيز جغرافي يغطيه بما يتكامل مع عمل المراكز الباقية، بالنتيجة المطلوب واضح، يمنع ترك أي معلومة من دون رصد وتحليل مهما كانت صغيرة، لا يعتمد مركز الرصد على الكاميرات فحسب، يجلس "أبو الفضل"، وهو المقاوم الذي صودفت مناوبته، إلى كرسي جلدي أسود، واضعاً عينيه أمام عدسة منظار كبير، يديره من اليمين إلى اليسار توالياً.
ويكرر العملية نفسها كل دقيقتين، ذلك أمر تشدد عليه إحدى أوراق التعليمات المثبتة على الجدران، والتي تنتشر فوقها خرائط بانورامية للحدود"لا يجب الإكتفاء بمتابعة ما ترصده الكاميرات، إنما المطلوب التأكد مما يجري عبر المنظار أيضاً".
التعليمات تضيف إنه "لا ينبغي ترك الغرفة تحت أي سبب.. حتى لو كانت الرؤية معدومة نتيجة الضباب"، كما خصص تعميم كامل لكيفية الإخلاء في حالة الطوارئ، وكيفية الإنتقال إلى الأماكن البديلة، مع تحديد ما يجب سحبه من الغرفة أو تركه.
للمقاومة خطط بديلة، وفي موازاة كل مقر رصد يستعمل في أيام الهدوء، ثمة دائماً مقر سري بديل يترك لأيام الحرب.
كاميرات حرارية.. وشوكولا
معدات الرصد الليلي موجودة أيضاً، عندما ينسدل الظلام تغلق الستائر العازلة للضوء، وتشغّل الكاميرات الحرارية المنتشرة في أراض أقرب إلى الحدود، وموصولة بغرفة الرصد التي تستقبل إشاراتها عبر جهاز خاص.
على عاتق المقاوم المختص بالرصد مسؤوليات كبيرة ودقيقة، لذلك، فقد حددت ساعات المناوبة بساعتين فقط، على أن يرتاح بعدها لست ساعات أو ثمان أو حتى عشرة، تبعاً لعدد زملائه الموجودين في الخدمة، التي تكون عادة خمسة أيام أسبوعياً.
وقد حددت مدة المناوبة بدقة، بما يضمن استمرار القدرة على التركيز والرؤية السليمة،راحة الراصد أولوية بالنسبة للمقاومة، وهذا أمر يشمل كل ما يحتاجه لقضاء وقته بفاعلية.
حتى الطعام يختاره الراصد بنفسه، وعند بداية خدمته، يحق له أن يختار ما يريد من طعام وشراب، وصولاً حتى إلى الشوكولا والحلويات، على أن لا يتخطى السقف المالي المحدد سلفاً لفترة الخدمة، والذي يصل إلى 150 دولاراً للفرد تقريباً.
يدون المقاوم كل حركة يتم رصدها، لأن تحليلها وربطها بمعطيات أخرى هو الذي يحدد مدى أهميتها، وهو أمر يتكفل به مركز التقييم الذي تصب لديه كل المعلومات التي تُجمع عبر الوسائل المتعددة أرضاً وجواً وأحياناً بحراً.
أما بالنسبة للملاحظات المباشرة، فيتم مشاركتها مع غرفة المتابعة، كما يتم التنسيق مع مقرات الرصد الأخرى، في حال انتقل الهدف من منطقة مسؤولية إلى أخرى، وإضافة إلى العمل اللحظوي والتنسيق الذي يتم بشكل دائم، لا بد من تجميع كل المعطيات.
لذلك، يقوم الراصد بتدوين أي معلومات يجمعها في الدفتر أمامه، كأن يكتب، على سبيل المثال،" إنه في الساعة 2.15 مرت سيارة "هامر" أو "دايفيد" من النقطة ألف إلى النقطة باء، أو انتقلت هذه الآلية إلى خارج منطقة "الرصد أ"، أو أن الرؤية "كانت خفيفة نتيجة الضباب بين الساعة 4 و5 فجراً".
الآلية تعرف من إنارتها
في نهاية النهار، يعمل المقاوم على تدوين كل ما رصده، في بريد يومي يرسل إلى غرفة التقييم، من خلال برنامج خاص، يضمنه ملاحظاته ورأيه بكل حركة رصدها، كأن يشير على سبيل المثال إلى أن الحركة الفلانية لم يسبق أن رصدها من قبل.. الأكيد أن مهمة مسؤول الرصد لا تقتصر على صناعة المعلومات، إنما المشاركة في تحليلها أيضاً، لأن الخبرة التي يكتسبها أثناء العمل، تجعل ملاحظاته ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمعنيين، وهذه الخبرة تصل إلى حد تمكن الراصد من تمييز نوع الآلية من أطوال الإنارة التي تخرج من مصابيحها، التنسيق عمودي وأفقي في ما يتعلق بالرصد.
من غرفة الرصد يتم التنسيق مع غرفة العمليات، وغرفة التقييم ومقرات الرصد الأخرى، كما مع الراصدين الأرضيين، الذين يتكفلون بتوضيح أي معلومة لا تكفي التقنيات لرصدها ،أو تحتاج إلى تدقيق أكبر، هؤلاء ينزلون بمناظيرهم وبوصلاتهم وكاميراتهم في تحد واضح للعدو وجهاً لوجه.
يتذكر "الحاج كمال" عندما نزل مع آخر لأخذ انحراف هدف عبر البوصلة من على الحدود مباشرة، حينها تنبه لهم أحد ضباط العدو، قائلاً "ما هذه الوقاحة؟" ليرد المقاومون عليه بابتسامة سخرية، أكملوا اثرها عملهم ثم انسحبوا.
يحدث أيضاً أنه كان عدد من المقاومين في دورية استطلاع على الحدود، مقابل أحد المراكز الإسرائيلية، كان الجنود نائمين، وعندما استيقظوا فوجئوا بعناصر "حزب الله" أمامهم، دب الرعب بهم، بعدما هددهم العناصر أنهم سينتظرون الضابط لإبلاغه أنهم كانوا نائمين.
وبالفعل انتظر المقاومون الضابط، لكن عناصر الدورية الإسرائيلية حاولوا تصويرهم.. ما أجبرهم على الانسحاب تاركين ضحكاتهم وراءهم.
يشار إلى أن صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية ترجمت التقرير الذي نشرته صحيفة السفير اللبنانية عن استعداد حزب الله للمعركة القادمة مع الاحتلال الإسرائيلي.
(المصدر: السفير)