رامي كوسا
قراءات فكرية كثيرة مايزت بين مفهومي «العروبة» و «القوميّة العربية». فالعروبة تعني، بحسب تعريفاتٍ عديدة، كالتعريف الّذي اعتمده الكاتب العراقي حسن العلوي، الانتساب المجرّد عن المعنى السياسيّ. وبعبارةٍ أخرى: العروبة ليست حكراً على عرقٍ أو دين، أي أنّ الماركسيين والشيوعيين، كما الإسلاميّين والعرب، يستطيعون أن يكونوا عروبيين. فالعروبة ليست أكثر أو أقلّ من شعورٍ بالانتماءِ لقضايا العرب. أمّا القوميّة العربية، في معناها السياسيّ، فهي تُنظّر للأمة العربية الواحدة، وتتحدّث عن شعبٍ عربيّ واحد تجمعه وحدة اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا، ويشكّل أقنوماً من أقانيم الدولة العربية الواسعة الممتدة من المحيط إلى الخليج. وفي ضوءِ التعريفين السابقين نجد أنفسنا أمام جدليّة قديمةٍ جديدة، تمّ تغييبها عن التداول منذ انقلابِ البعث العام 1963: «هل سوريا عربية أم لا؟».
حين نقول «الجمهورية العربية السورية»، فنحن نستعمل تسميةً يُمكن أن نفكّكها على الشكل التالي: «سوريا، دولةٌ ذات نظامِ حكمٍ جمهوريّ، تنتمي للأمّة العربيّة». وهذا ما تؤكّد عليه أدبيات حزب «البعث»، «القائد في الدولة والمجتمع». وذلك برغم عدمِ وجودِ مادة في دستور البلاد تُشرِّع هذا الشكل من التفرّد السياسيّ. فشعار الحزب، الّذي وجب على السوريّين ترديده خلال العقود الخمسة الماضية، حرص على تكريس مفهوم «الأمّة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة»، وظلّ يُنظّر للوحدة والحريّة والاشتراكيّة كأهدافٍ يسعى الحزب لتحقيقها حيث حلّ. هذه الشعارات والأهداف كانت، قبل آذار 2011، نصّاً مقدّساً لا تجوز مقاربته على سبيل النقد. فكلّ من يمارس فعلَ شغبٍ على مفهوم «القومية العربية» سيجد نفسه معتقلاً بعدما توجّه إليه اتهاماتٌ يُمكن إلباسها لكلّ جسدٍ وفي كل مناسبة، على غرار «إضعاف الشعور القومي» و «وهن نفسيّة الأمّة».
جاءَ الحراك السوريّ العام 2011، مشكِّلاً مطيّة لدولٍ وكياناتٍ قادت سوريا نحو فاجعاتٍ لمّا تنتهِ بعد، لكنّه تمكّن، برغم ذلك، من تحقيق إيجابيات خجولة، فحوّل المقدّسات القديمة إلى مفاهيم قابلةٍ للتداول، وصار الحديث عن جدوى العروبة وحقيقيّتها متاحاً، خاصةً أنّ سوريين كثراً كفروا بهذه «الأمّة» الّتي لم تصدّر لهم إلّا الخراب والموت.
العروبة واحتواء الأقليّات العرقية
يرفضُ بعض الأمازيغ، الّذين تتجاوز نسبتهم 40 في المئة من سكّان المغرب بحسب دراسةٍ أجرتها جامعة أريزونا، ويشكّلون نصف تعداد سكّان الجزائر بحسب الدراسة ذاتها، أن يتمّ تذويبهم في مفهوم العروبة، حتّى أنّهم يعتبرون بلادهم جزءاً من الغرب ولا يحتسبونها على النصف المشرقي من العالم. كما أنّهم عبّروا عن استيائهم من بعضِ المثقفين المغاربة الّذين انحازوا لمفهوم العروبة، كالباحث المغربي محمد عابد الجابري، الّذي نظّر، حاله حال الكثير من المثقفين العروبيين، لمفهومٍ واسعٍ للعروبة يشمل كلّ الأعراقِ المؤمنة بقضايا العرب، حتّى وإن لم يكن في سلالة هؤلاء ما يُشير إلى كونهم ينتمونَ إلى أنسابٍ عربية صافية. وليس واقع الأمازيغ متفرداً عن سواه، فالأكراد في سوريا سبق أن أعلنوا تمرّدهم مراراً على مفهومِ العروبة، واعتبروا أنّهم مكوّنٌ أصيلٌ من المكوّنات السورية، وأنّ احتساب سوريا على الأمّة العربية يعني تهميشهم كمُشكّلٍ شعبيّ غير عربيّ يعيش في هذا البلد. وضمن السياق نفسه نستطيع أن نتحدّث عن مكوّناتٍ سوريّة أخرى. فالأرمن والكلدان والآراميون والآشوريّون والسريان، جميعهم يُشكّلون جزءاً أصيلاً من النّسيج السّوري، وهم في واقع الحال والأصل والنسب ليسوا عرباً، لكنّهم وجدوا أنفسهم، بالتقادم، متعايشين مع مفهومِ العروبة الّذي ظلّ مقدّساً لخمسةِ عقودٍ ونيّف. صحيحٌ أنّ العروبة في سوريا لم تخلق في ظلّ «البعث» ولم تولد من رحمه، لكنّها في عهده أصبحت قيمةً سماوية لا يجوز التطاول عليها.
العروبة والإسلام
زاوج أصحاب الفكر العروبيّ بين العروبة والإسلام. حتّى أنّ المفكّر السوري ميشيل عفلق، عرّاب «البعث» في سوريا وداعيته الأوّل، كتبَ في مديح الإسلام وتغنّى برسوله مراراً، وهو العائد في أصوله إلى أسرةٍ مسيحية سكنت حيّ الميدان الدمشقيّ. وذهب عفلق إلى ما هو أبعد من ذلك حين قال «وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم». الأمر الّذي يعني أن الإسلام شكّل درع العروبة الأوّل، فهو الدّين الّذي بُعث من صحارى العرب، وهو الدّين الّذي كُتبت تعاليمه بلغتهم. وقد كان للإسلام حصنه وحاضنته الدافئة في سوريا نظراً لما كرّسه من قيمِ اعتدالٍ ولينٍ في تطبيق الشريعة، حتّى وُلد مُصطلح «الإسلام الشاميّ» الّذي يُدلّل على الوسطيّة ورفضِ التعصّب مخالفاً قواعدَ الوهابية الّتي تحاصر غير المسلمين وتضيّق عليهم في كلّ مناسبة.
وظلّ الإسلام الوسطيّ مهيمناً في سوريا إلى أن جاءت الحرب الأخيرة، وعرف معها السوريون، لأوّل مرّة في تاريخهم، التنظيمات الأصولية الّتي تنتشي بالذبح وجزّ الرؤوس وتفجير الرقاب وبقرِ البطون. وقد أدّى ظهور الوحش الجديد المتمثّل بتنظيم «داعش» وإخوته من راديكاليات مقاتلة كـ «النّصرة» و «أحرار الشام» وغيرها، إلى ترك رواسب سلبية تخصّ مفهوم الشريعة. فالتطرّف في الدّين يولّد تطرّفاً في رفض هيمنة الدين، الأمر الّذي نستطيع أن نُدلّل عليه من خلال كثافة الأصوات المنادية بسوريا علمانية. والحديث هنا عن العلمانية بمفهومها الحقيقي وليس بمفهومها المقعّر الّذي اجترحه «البعث» الّذي لم ولن يقبل أن يتخلّى عن عباءةِ الإسلام. فهي تساعده على الظهورِ بمظهر الفارس المدافع عن قضايا العرب، وكأن لا شأن لغير البعثيين بهذه القضايا. والعارفُ بواقع الحال يُدرك أنّ بقاءَ مقاليد السلطة في يد «البعثِ» وحده يعني إصرار الحاكمين على أن لا انتماءَ للشعب السوريّ إلّا «للأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة»، الأمر الّذي يتناقض مع فكرِ سوريّين كثر، يجيء في صدارتهم القوميّون السوريّون اللاهثون خلف حلم الأمّة السورية الّذي بات يداعب فكر طيفٍ لا بأس به من أولادِ البلد، بعدما ذاقوا من العربِ في السنواتِ الخمسِ الأخيرة ما لم يذوقوه من أعدائهم التاريخيين في حروبٍ سابقة.
يقول الروائيّ والقاص الفلسطيني غسّان كنفاني «إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين، لا أن نغيّر القضيّة». قد يستعين الكثير من المؤمنين بمفهوم الأمّة العربية بهذا الطرح حتّى يبرّروا تمسكّهم بقوميّتهم، متذرّعين بأنّ حكّام العرب يصادرون قرارات شعوبهم، مفترضين أنّه لو أتيح للشعب أن يقولَ كلمته لزحف أفواجاً نحو فلسطين المحتلّة قاصداً تحريرها. وعليه: «يبقى مفهوم الأمّة العربية صالحاً لكلّ زمانٍ ومكان، لكنّ العيبَ في الأدواتِ الرافعةِ لهذا المفهوم». أغلبُ البعثيين والناصريين يتبنّون سياقاتٍ مماثلة، لكنّ واقع الحال يقول إنّ الأزمة السوريّة قد هدمت مفاهيم كثيرة، وخلطت الصالح بالطّالح، وجعلت قسماً لا بأس به من السوريين يجدون في الحديث عن الأمّة العربية تنظيراً فضفاضاً لا يعوّل عليه. أمّا صقورُ «البعث» فهم ما زالوا مصرّين على جدوى رسالتهم الحزبيّة، وذلك برغم الدماءِ السورية الّتي أريقت برصاصٍ دفع ثمنه عربُ الخليج عن طيبِ خاطر.
